الخميس، 17 ديسمبر 2009

المعلمة” مجموعة قصصية ل”صالح القاسم"


الدستور – راوية رياض الصمادي

المعلمة عنوان لمجموعة قصصية صدرت حديثا للقاص والأديب صالح القاسم وفيها امتداد لحديث ، وهم بدأه الأديب في مجموعته القصصيةبابا والبطيخ والتي صدرت قبل عدة سنوات ولكنها عبرت عن تراكم في الخبرة ولا نقول نضوجا فالكاتب صالح القاسم معروف بنتاجه الأدبي ومقالته الأدبية والصحفية في الجرائد والصحف الأردنية وبعض الإصدارات والنشرات العربية إلى جانب ترجماته ومجموعته المترجمة عن روائع الأدب العالمي بعنوان ملك الموت“, ولكن قصدنا هنا شانه شان أي فلسطيني أو عربي مازال يحمل هم الوطن ويحاول تشخيص الواقع وتسليط الضوء على مكنونات وخلجات وحياة المواطن الفلسطيني خاصة في بلاد الشتات بعيدا عن التنظير أو الإسقاط السياسي.

ويصور القاص في مجموعته القصصية الحديثة الصراع الداخلي للمواطن وصراع الأضداد الشقة أو الوطن الفدائي أو الإرهابي ، ولهفة المواطن للوطن، وكذلك هموم الحياة العادية التي تغرق النفس البشرية في تفاصيلها.حيث يحاول صالح في مجموعته هذه وبأسلوب سلس لملمة أطراف شقاء الإنسان ، وبخاصة الفلسطيني في مكان واحد ، ففي قصة المعلمة يحكي عن رحلة شقاء المرأة في المخيمات الفلسطينية ما بين العمل في البيت من رعاية شؤون المنزل ، ومن ثم في صباح اليوم التالي انتظار الباصات ، وركوب أكثر من باص للحاق بدوامها في قرية بعيدة جدا ، ويصيبها أثناء ذلك ما يصيبها من تعليقات زوجها الساخرة ، إلى بحلقات الرجال لها أثناء الانتظار في مواقف الباصات ، إلى زجر المديرة لها ومعاقبتها بسبب تأخرها المتكرر عن المدرسة ، ناهيك عن البرد القارص في الشتاء ، والحر في الصيف :

ترتحلين مسافات طويلة جداً… تبدلين سيارة بأخرى حتى تصلي إلى مدرستك. تنتظرين باص المخيم الساعة السادسة قبل أن ينبلج ضوء النهار ؛ ليقلك إلى السوق… تنزلين في شارع الهاشمي، ثم تمشين حتى سرفيس مجمع عمان، وهناك .. تتكورين بكمد وسط الرياح القارة مثل الثلج … تتوحوحين وسط العيون الجائعة، تنتظرين أن يهل باص المفرق الذي ما أن يراه الركاب حتى يهرعوا إليه كل منهم يريد حجز مقعد قبل الآخر، قبل أن يطفح بالبشر .

لكن ذلك لا يوهن من عزيمتها ولا تتذمر ، تظل على هذا المنوال من الشقاء ، وكأنه أمر عادي جدا ، تمضي في مسيرتها دون كلل ، وهكذا المرأة الفلسطينية في كل مكان: “

تبلعين غضبك، وبؤسك، آلالام تتجمع على شفتيك وتتوقف . تسمعين رقصة شفاهك وإصطكاك أسنانك… تشعرين بسكاكين برد ثوبك المبلول وأنت صامتة “.

أما قصة ثلاثة دنانير ، فهي عن العلاقات بين الفلسطينيين غرب النهر ، وشرق النهر ، فكلاهما في هم واحد ، كل مشتاق للآخر ، وكل منهما يريد مساعدة الآخر ، ولكنهما يعيشان نفس الفاقة ، والمعاناة من شظف الحياة ، ولكن القصة ، تحكي في نفس الوقت ، تفكك العلاقات الاجتماعية بين الأقارب ، فبطل القصة يحالو أن يستدين ثلاثة دنانير من أقاربه ، لكنه يفشل ، أحيانا لعدم توفر هذه الدنانير فعلا ، وأحيانا لعدم رغبة الطرف الآخر بمد يد المساعدة رغم توفر هذا المبلغ البسيط :


كلما قرعت باب أحدهم لأستدين ثلاثة دنانير صفعتني إجابة النفي بحذاء مهترئ قبيح رائح . أخطو إلى الخلف ، أبتعد عن الباب مجروح الفؤاد أتقيأ الحزن والأسى .”

انها قصة الفقر الشديد لكثير من العائلات الفلسطينية غرب النهر أو شرقه . أما عن قصة شقة بدلا من وطن ، فهي قصة الحياة التي طحنت الفلسطيني حيثما وجد ، فما آل لحال فلسطين قتلت روحه ، وقتلت له معنى الحياة ، ويتساءل هل تحولت القضية الفلسطينية من هم وطني إلى هم محصور في إيجاد شقة تنسيه ليس فلسطين وحسب ، ولكن تنسيه نفسه المشغولة بهم سداد أقساطها :

كيف أستبدل كلمة سكن بوطن ؟ شقة أقساط ثمنها سوف تهـدُّ حيل أولاد أولادي ، وأرضي في فلسطين لا تجد من يعاقرها لتحبل بالخضار والياسمين

ويعصر روحه ما يحيط وما يلم بما يتعلق، بالقضية الفلسطينية :

حقوقنا بأقلام الكتاب لم تعد حقوقنا . عكا ، وحيفا، وأجزم ، وأم الزينات ، والطيرة ، والطنطورة ، وأم الفحم ، وعين غزال ، وكل فلسطين تبين أنها ليست لنا يا أبي ، هل كنت تكذب عليّ يا أبي ؟ هل كنت ؟! لماذا نفخت كل هذه الوطنية والقومية في صدري ؟ البالون المملوء بالهواء النضالي الساخن داخل صدري لا يفقع فأموت يا أبي وأرتاح مما أرى ، ولا الصحف ووسائل الإعلام يا أبي عادت تجرؤ على ذكر فلسطين . وكتاباتي يا أبي يقولون عنها حادة ومتهورة ، عليّ أن أشذبها وأقلمها من كل ما له علاقة بالوطنية والقومية ، ومن كل ما هو عدائي للسامية . حتى زوجتي يا أبي صارت تقول عني أنني أحمل السلم بالعرض ، وكأن الدنيا لا يزال فيها طول وعرض. ” كيف يا أبي أستبدل كلمة فدائي بإرهابي ؟

هذه بعض ما جاء في قصص صالح القاسم المهموم بالوطن السليب ، وبالإنسان الفلسطيني الذي لم يعد يعرف أين هو الآن ؟ لكنه لا يفقد الأمل ، فالحياة غير مفقودة ، والأعراس في استمرار دليل بقاء الإنسان الفلسطيني في تحد للحياة والعدو معا ، بل انه يرى أن العدو هو الخائف ، وهو الذي لا يعرف ما الذي ينتظره من مستقبل مجهول ، فالفلسطيني على أية حال يعيش على أرضه سواء في فلسطين أو في الشتات كما يذكر في قصة عرس فلسطيني:

أوار الرقص وعرقه يبلل ملابس الرجال والنساء ، ويفضح ما تحته من مفاتن دون اكتراث للعدو الواقف بالباب يختلس النظر وينتظر ما الذي سوف يحدث له

ولا يخفى على قارئ المجموعة القصصية التي ضمت ‘المعلمة والنشرة الجوية’، و’الفلسطيني الصغير’، و’الملجأ’، و’ثلاثة دنانير’، أن البعد الإنساني والاجتماعي، والهم الوطني الذي يسكن فلسطيني الشتات، والحلم بالعودة والحياة الكريمة.وما يسجل للكاتب انه كان اكتفى بدوره ككاتب ولم يتقمص دور السياسي أو المحلل والمفارقة أن الكاتب يحمل درجة الدراسات العليا بالعلوم السياسة وابتعد الكاتب عن دور المنظر بالحلول والعظات الوطنية المؤدجلة ولكنه لم يوصد باب الأمل بغد أفضل واستمرار الحياة. وتقع المجموعة القصصية ‘المعلمة’ في 80 صفحة من الحجم المتوسط، صدرت عن حمادة للدراسات الجامعية والنشر والتوزيع في مدينة إربد بالأردن.


ليست هناك تعليقات: